فجوة "القوي الأمين" في إدارة التعليم

د.مكرم النبراوي 
د.مكرم النبراوي 

بقلم: د.مكرم النبراوي 
استشاري التربية والصحة 
مدير عام الخطة والمنهج للتعليم بقطاع المعاهد الأزهرية 

في كل مؤسسة تعليمية، تبقى لحظة اختيار القيادات أخطر من أي قرار آخر؛ فالمناهج يمكن تطويرها، واللوائح يمكن تعديلها، وحتى الأخطاء يمكن تداركها، لكن حين يُسلَّم العمل لغير أهله، تصبح المؤسسة كلها رهينة لاجتهادات مرتبكة، وقرارات متخبطة، وعلاقات شخصية تتحكم في مصير العملية التعليمية.

ومن هنا تظهر المعضلة القديمة المتجددة: هل تُدار الشؤون التعليمية بأهل الثقة أم بأهل الكفاءة؟ سؤال يبدو بسيطًا في ظاهره، لكنه في الحقيقة أحد أكثر الأسئلة تأثيرًا في جودة التعليم، واستقرار المؤسسات، وصناعة الأجيال.

اقرأ ايضا: أزمة الإنسان قبل أزمة التعليم

في بعض البيئات الإدارية، تتحول "الثقة" إلى المعيار الأول للاختيار، فيُقدَّم المقربون، ويُفضَّل المأمون جانبهم، ويحظى بمواقف المسؤولية أولئك الذين يجيدون الموافقة الدائمة. وهنا لا يعود المنصب للأقدر على التخطيط، أو الأوسع خبرة، أو الأكثر فهمًا للعملية التعليمية، بل للأقرب نفسيًا وإداريًا لصاحب القرار. وقد يبدو ذلك مريحًا في البداية، فأهل الثقة غالبًا أكثر طاعة، وأقل اعتراضًا، وأسهل في تمرير القرارات، لكن المشكلة تكمن في أن المؤسسات التعليمية ليست شركات مغلقة ولا ملفات ورقية صامتة، إنها منظومة تبني عقل الطالب، وتشكل وعي المعلم، وتصنع مستقبل المجتمع كله؛ لذلك فإن الخطأ فيها لا يُقاس بخسارة مادية أو إدارية عابرة، بل بخسارة أجيال كاملة.

إن الخلل الحقيقي يبدأ حين يصبح معيار "الولاء" أهم من معيار "القدرة"؛ عندها تتراجع الكفاءات بصمت، ويشعر المجتهد أن التميز لا قيمة له، وأن سنوات الخبرة والتطوير المهني لا تكفي للوصول، بينما يكفي القرب من دوائر النفوذ لتحقيق ما لا تحققه الإنجازات. ومع الوقت، تتكون بيئة تعليمية خطيرة، تقودها قيادات تخشى أصحاب الفكر، وتفضل المطيعين، وتتعامل مع النقد باعتباره تهديدًا لا فرصة للإصلاح. وفي مثل هذه البيئات، تُقتل المبادرات قبل أن تولد، ويختفي الإبداع تدريجيًا، ويتحول العمل التربوي إلى أداء روتيني باهت بلا روح.

لكن في المقابل، هناك من يرفع شعار "الكفاءة فقط" وكأن الثقة عنصر زائد عن الحاجة، وهذا أيضًا طرح قاصر؛ فالإدارة التعليمية ليست اختبار قدرات ذهنية فحسب، بل هي مسؤولية أخلاقية وتربوية أولًا. والكفاءة بلا أمانة قد تصنع مسؤولًا بارعًا في الإدارة، لكنه ضعيف الانتماء، أو متقلب القرار، أو باحثٌ عن مصلحته الشخصية. لهذا فإن الصراع الحقيقي ليس بين الثقة والكفاءة، بل في كيفية الجمع بينهما دون أن تبتلع إحداهما الأخرى. إن المؤسسات الناجحة لا تبحث عن شخص "مضمون" فقط، ولا عن شخص "لامع" فقط، بل عن نموذج يجمع النزاهة بالقدرة، والانتماء بالخبرة، والخلق بالكفاءة المهنية.

وفي إدارة الشؤون التعليمية تحديدًا، تصبح الكفاءة أكثر حساسية من أي مجال آخر؛ لأن القرار التعليمي لا يتوقف أثره عند حدود المكتب، بل يمتد إلى الفصل الدراسي، والمناهج، والأنشطة، وتدريب المعلمين، وتقييم الطلاب، وصورة المؤسسة كلها أمام المجتمع. وحين يتولى غير المؤهل إدارة ملف تعليمي، تظهر النتائج سريعًا في خطط ضعيفة، واجتماعات بلا أثر، ومبادرات شكلية، وتضارب في القرارات، وارتباك في التنفيذ. والأسوأ من ذلك أن المؤسسة تدخل في حالة إنهاك دائم، لأن الأخطاء الصغيرة في التعليم تتراكم حتى تتحول إلى أزمات هيكلية كبرى. 

أما حين تُمنح الفرصة لأصحاب الكفاءة الحقيقيين، فإن المشهد يختلف تمامًا؛ حيث تظهر الرؤية الواضحة، ويتحسن التخطيط، وتُدار الموارد بوعي، ويصبح التطوير عملية مستمرة لا مجرد شعارات موسمية. والأهم من ذلك أن العاملين يشعرون بالعدالة، فيزداد الانتماء، ويتحول النجاح إلى ثقافة عامة داخل المؤسسة. فالتربية في جوهرها رسالة عدل قبل أن تكون رسالة علم، ولهذا فإن أخطر ما يمكن أن يحدث داخل المؤسسات التعليمية هو أن يتعلم الناس بشكل غير مباشر أن العلاقات أهم من الجدارة، وأن القرب أقوى من الإنجاز، وأن الصمت أكثر فائدة من الإبداع؛ عندها لا نخسر موظفًا كفؤًا فحسب، بل نخسر قيمة تربوية كاملة.

ربما لا يمكن إلغاء "الثقة" من معايير الاختيار، فهذا أمر غير واقعي إداريًا، لكن الخطر كل الخطر أن تتحول الثقة إلى بديل عن الكفاءة لا شريكًا لها. فالمنصب التعليمي ليس مكافأة للعلاقات، بل أمانة تتعلق بمستقبل أمة، ولهذا تبقى القاعدة الأعدل والأبقى دائمًا: ابحث عن الأمين القوي... لا عن القريب الضعيف، ولا عن القوي غير الأمين.

 

ترشيحاتنا